صديق الحسيني القنوجي البخاري
328
فتح البيان في مقاصد القرآن
عليها ، وفي هذا وعد ووعيد للفريقين وتنبيه على أن أحدا لا يؤاخذ بعمل غيره . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 106 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ ( 106 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا استئناف مسوق لبيان الأحكام المتعلقة بأمور دنياهم أثر بيان الأحوال المتعلقة بأمور دينهم شَهادَةُ بَيْنِكُمْ قال مكي في كتابه المسمى بالكشف : هذه الآيات الثلاث يعني هذه واللتان بعدها عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعرابا ومعنى وحكما وتفسيرا ولم يزل العلماء يستشكلونها ويكفون عنها . قال ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر وقد ذكرناها مشروحة في كتاب مفرد . قال ابن عطية : هذا كلام من لم يقع له النتاج في تفسيرها وذلك بين من كتابه رحمه اللّه تعالى يعني من كتاب مكي ، قال القرطبي : ما ذكره مكي ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضا ، قال السعد في حاشيته على الكشاف : واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعرابا ونظما وحكما انتهى . قال السخاوي : لم أر أحدا من العلماء تخلص كلامه من أولها إلى آخرها قلت وأنا أستعين اللّه تعالى في توجيه إعرابها واشتقاق مفرداتها وتصريف كلماتها وقراءاتها ومعرفة تأليفها ، وأما بقية علومها فنسأل اللّه العون في تهذيبها إلى آخر ما في عبارة السمين ، فارجع إليه إن شئت . وأضاف الشهادة إلى البين توسعا لأنها جارية بينهم ، وقيل أصله شهادة ما بينكم فحذفت ( ما ) وأضيفت إلى الظرف كقوله تعالى : بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [ سبأ : 33 ] ومنه قوله تعالى : هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [ الكهف : 78 ] واختلف في هذه الشهادة فقيل هي هنا بمعنى الوصية ، وقيل بمعنى الحضور للوصية . وقال ابن جرير الطبري : هي هنا بمعنى اليمين أي يمين ما بينكم أن يحلف اثنان ، واستدل على ما قاله بأنه لا يعلم للّه حكما يجب فيه على الشاهد يمين ، واختار هذا القول القفال ، وضعف ذلك ابن عطية واختار أنها هنا هي الشهادة التي تؤدى من الشهود أي الأخبار بحق للغير على الغير . إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ المراد بحضور الموت حضور علاماته لأن من مات لا يمكنه الإشهاد ، وتقديم المفعول للاهتمام ولإفادة كمال تمكن الفاعل عند النفس وقت وروده عليها فإنه أدخل في تهوين أمر الموت .